ابن قيم الجوزية
145
الروح
قال : واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد . واحتجوا أيضا بما روي عن أبي هريرة : « أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين » ، وعن عبد اللّه بن عمرو مثل ذلك ، قال أبو عمر : وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله ، وهو قوله : « إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » . وقال آخرون : إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم ، لأن القرآن والسنّة إنما يدلان على ذلك . أما القرآن فقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » . وأما الآثار فذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه من طريق بقي بن مخلد « 2 » مرفوعا : « الشهداء يغدون ويروحون ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب تبارك وتعالى : هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أكرمتكموها ، فيقولون : لا ، غير أنا وددنا أنك عدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في سبيلك » . رواه عن هناد عن إسماعيل بن المختار عن المختار عن عطية عنه . ( ثم ساق حديث ) ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لما أصيب إخوانكم ( يعني يوم أحد ) جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مدلاة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقبلهم قالوا : ومن يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ويزهدوا في الجهاد ؟ قال : فقال اللّه عز وجل : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل اللّه تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 3 » » والحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 169 و 170 . ( 2 ) هو بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي ، الحافظ المفسر ، توفي سنة 286 ه - 889 م . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية 169 .